جلال الدين السيوطي

235

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

والتصريف فهو إمام الدنيا فيهما ، لم يذكر معه في أقطار الأرض غيره في العربية ، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم ، خصوصا المغاربة . وسأله الذهبيّ سؤالات فيما يتعلّق بالمغاربة ، وأجاب عنها . وله التصانيف التي سارت وطارت ، وانتشرت وما انتثرت ، وقرئت ودريت ، ونسخت وما مسخت ، أخملت كتب الأقدمين ، وأكرمت المقيمين بعصره والقادمين ، وقرأ الناس عليه وصاروا أئمة وأشياخا في حياته ، وهو الذي جسّر الناس على مصنّفات جمال الدين بن مالك ، ورغّبهم في قراءتها ، وشرح لهم غامضها ، وخاض بهم لججها ، وفتح لهم مقفلها ، وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب : نحو الفقهاء ، والتزم أن لا يقرئ أحدا إلا في كتاب سيبويه ، أو في التسهيل لابن مالك ، أو في تصانيفه . وكان شيخا حسن العمة ، مليح الوجه ، ظاهر اللون ، مشربا حمرة ، منوّر الشيبة ، كبير اللحية ، مسترسل الشعر فيها لم تكن كثّة ، عبارته فصيحة بلغة الأندلس ، يعقد القاف قريبا من الكاف على أنّه ينطق بها في القرآن فصيحة ، وكان يقول : ما في هذه البلاد من يعقد حرف القاف ، وكان أوّلا يرى رأي الظاهريّة ، ثم إنّه تمذهب للشافعيّ ، وتولّى تدريس التفسير بالقبة المنصوريّة والإقراء بالجامع الأقمر . قال : ولما قرأت عليه مقامات الحريريّ ، ووصلت إلى المقامة التي أورد فيها الأحاجي قال لي : ما أعرف مفهوم الأحجية المصطلح عليها بين أهل الأدب . فأخذت في إيضاح ذلك ، وضرب الأمثلة . فقال لي : لا تتعب معي فإني تعبت مع نفسي في ذلك كثيرا وما أفاد ، ولا ظهر لي . هذا كلام الصفديّ . وقال الحافظ ابن حجر : كان سبب رحلته عن غرناطة أنّه حملته حدة الشبيبة على التعرّض للأستاذ أبي جعفر بن الطباع ، وقد وقعت بينه وبين أستاذه أبي جعفر بن الزبير واقعة ، فنال منه ، وتصدّى لتأليف في الردّ عليه ، وتكذيب روايته ، فرفع أمره إلى الملك ، فاختفى ، ثم ركب البحر إلى مصر . انتهى .